ابن الجوزي

302

صفة الصفوة

المال درهمين درهما تنفقه على عيالك من حلّه ، ودرهما تقدمه لآخرتك الثالث يضرك ولا ينفعك لا ترده . ثم نادى بأعلى صوته : يا أيها الناس قد قتلكم حرص لا تدركونه أبدا . و [ عن ] عطاء بن محمد ، قال إبراهيم التيمي : قال أبي : خرجنا حجاجا فوجدنا أبا ذر بالرّبذة « 1 » قائما يصلي . فانتظرناه حتى فرغ من صلاته ثم أقبل علينا بوجهه فقال : هلم إلى الأخ الناصح الشفيق ثم بكى فاشتد بكاؤه وقال : قتلني حب يوم لا أدركه . قيل وما يوم لا تدركه ؟ قال : طول الأمل . وعن بكر بن عبد اللّه عن أبي ذر قال : يكفي من الدعاء مع البرّ ما يكفي الطعام من الملح . وعن عراك بن مالك قال : قال أبو ذر : إني لأقربكم مجلسا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يوم القيامة ، وذلك أني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « إن أقربكم مني مجلسا يوم القيامة ، من خرج من الدنيا كهيئة ما تركته فيها » وإنه واللّه ما منكم من أحد إلا وقد تشبث بشيء منها ، غيري . وعن أبي السليل قال : جاءت ابنة أبي ذر وعليها صوف ، سفعاء الخدين ، ومعها قفة لها فمكثت بين يديه وعنده أصحابه فقالت : يا أبتاه زعم الخازنون والزارعون أن أفلسك هذه بهرجة . فقال : يا بنية ضعيها فإن أباك أصبح بحمد اللّه لا يملك من صفراء ولا بيضاء إلا أفلسه هذه . وعن نافع الطاحي قال : مررت بأبي ذر فقال لي : ممن أنت قلت : من أهل العراق . قال : أتعرف عبد اللّه بن عامر ؟ قلت : نعم . قال : فإنه كان يتقرأ معي ويلزمني ، ثم طلب الإمارة . فإذا قدمت البصرة فترايا له فإنه سيقول ألك حاجة فقل له : أخلني ، فقل له : أنا رسول أبي ذر إليك وهو يقرئك السلام ويقول لك : إنا نأكل من التمر ونشرب من الماء ونعيش كما تعيش . فلما قدمت تراءيت له فقال : ألك حاجة ؟ فقلت : أخلني أصلحك اللّه . فقلت :

--> ( 1 ) الربذة هي بلدة قرب المدينة وفيها دفن أبو ذر .